ابن عجيبة

461

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( جاءتها ) : جواب « إذا » ، وجملة ( دعوا ) : بدل من « ظنوا » بدل اشتمال ؛ لأن دعاءهم من لوازم الظن . يقول الحق جل جلاله : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً ، كصحة وعافية وخصب مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ، كمرض أو قحط إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا بالطعن فيها ، والاحتيال في دفعها ، فقد قحط أهل مكة حتى أكلوا الجلود والميتة ، ثم رحمهم بالغيث ، فطعنوا في آياته بالتكذيب ، وكادوا رسوله - عليه الصلاة والسلام - قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً منكم ، فقد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدكم ، ووصف مكر اللّه بالسرعة وإن كان الاستدراج يمهلهم ؛ لأنه متيقن واقع لا محالة ، وكل آت قريب . إِنَّ رُسُلَنا الحفظة يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ فنجازيكم عليه . قال البيضاوي : هو تحقيق للانتقام ، وتنبيه على أن ما يدبرون في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلا أن يخفى على اللّه . وعن يعقوب : « يمكرون » بالياء ليوافق ما قبله . ه . قال ابن جزى : هذه الآية للكفار ، وتتضمن النهى لمن كان كذلك من غيرهم ، والمكر هنا : الطعن في آيات اللّه وترك شكره ، ومكر اللّه الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم ، سماه مكرا مشاكلة لفعلهم ، وتسمية للعقوبة باسم الذنب . ه . فنزول الرحمة بعد الشدة آية تدل على كمال قدرته . وقد ورد أنه لما نزل بهم القحط التجئوا إليه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا : يا محمد ؛ إنك جئت تأمر بمكارم الأخلاق ، وإن قومك قد هلكوا ، فادع اللّه يغيثنا ، فدعا ، فنزل عليهم الغيث ، فكانت معجزة له - عليه الصلاة والسلام - . ثم ذكر آية أخرى فقال : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ بقدرته فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ : السفن ، وَجَرَيْنَ بِهِمْ بمن فيها ، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة ، كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم ، ففيه التفات . ومقتضى القياس : وجرين بكم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ : لينة الهبوب ، وَفَرِحُوا بِها لسهولة السير بها ، جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ أي : شديد الهبوب ، وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ من كل جهة لهيجان البحر حينئذ ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ أي : أهلكوا ، أو سدت عليهم مسالك الخلاص ، كمن أحاط به العدو .